(73) جزيرة تميم الداري

عدد المشاهدات: 1248
القسم: عمر الأمة بعد النبوة في 4 مراحل 4 فتن
نشر بتاريخ: Friday - 04/Nov/2016 @ 22:03

لقد عرضت لكم سابقاً كيف أنه توجد أحاديث ضعيفة السند ، لكن متنها صحيح ، وتحققت على أرض الواقع بدقة مذهلة
أما حديث اليوم فهو على العكس من ذلك ، إنه حديث صحيح السند ، لكن في متنه عدة علل و مشاكل حيرت علماء الأحاديث و الناس قديماً و حديثاً

قبل أن نتحدث عن حديث جزيرة تميم الداري ، لابد من تبسيط بعض المصطلحات التي تتعلق بعلم الحديث للعوام الذين لا يفرقون ما بين السند و المتن ، و لا يعرفون ماذا يعني أن الحديث ذو سند صحيح أو ذو سند ضعيف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالحديث النبوي يتكون من جزئين : سند و متن
1- السند :
هم سلسلة الرواة الذين نقلوا الحديث ، وتبدأ بالصحابة الذين سمعوا الحديث من النبي مباشرة ، ثم التابعين ، ثم تابعي التابعين الذين نقلوا عنهم ما سمعوه .
و يجب أن يكون التابعون الذين نقلوا عن الصحابة قد قابلوهم شخصياً أو عاصروهم لجزء من حياتهم ، ويجب أن تكون سلسلة السند متصلة لا انقطاع فيها ، فاذا كان هناك انقطاع في مكان ما من سلسلة الرواة يسمى الحديث بالحديث المنقطع ، و يعد من الأحاديث الضعيفة
و يجب أن يكون جميع الرواة من الثقات العدول الذين لم يعرف عنهم الكذب أو التدليس حتى يصح الحديث
و الحديث الذي يرويه عدد كبير من الرواة يستحيل معه اتفاقهم على الكذب يسمى بالحديث المتواتر .
أما الحديث الذي يرويه عدد أقل من ثلاثة فيسمى بالحديث الآحاد .

2- المتن :
المتن هو نص الحديث ، و مضمونه .
أي : ما قاله الرسول أو فعله أو أقره .

أما مخرج الحديث : فهم العلماء الذين حققوا في الأحاديث و صنفوها .
كالبخاري و مسلم ، والترمذي ، والإمام أحمد ،...الخ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد أن عرفنا هذه المعلومات البسيطة ، حان الوقت أن نعرف ما هو حديث جزيرة تميم الداري

هذا الحديث الطويل الذي يعرفه معظمكم تضاربت حوله الآراء ، وأنا هنا أنقل لكم زبدة دراسات طويلة قرأتها على مدى أيام عن هذا الحديث لباحثين في علوم الحديث ، و هو ليس رأيي الشخصي ، لأنه لا علم لي إطلاقاً بعلم السند ، او علم التجريح كما أخبركم دائماً ، وأنا في هذا الجزء الأول من المقال المتعلق (بالسند) مجرد ناقل ، و سأخبركم برأيي الشخصي و تأملاتي عن (متن ) الحديث في الجزء الثاني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اتفق على صحة سند هذا الحديث جمع كبير من العلماء ، و أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ، كما أخرجه غيره كذلك .

وقد روى هذا الحديث - غير فاطمة بنت قيس - صحابة آخرون ، وجميعهم من الثقات ، العدول ، ولم يعرف عنهم كذب قط .
وسند الحديث متصل ، لا انقطاع فيه .
لذلك فإن علماء الحديث قالوا أنه ثابت صحيح من جهة الإسناد والنقل ، لا مطعن فيه ولا مغمز

لكن علماء آخرون - ولا سيما بعض المعاصرين - رأوا أن هناك مشكلة كبيرة في متن الحديث ، أي في نص الحديث و مضمونه

فالبعض يزعم أن الحديث ما هو إلا من مسيحيات تميم الداري التي نقلها من المسيحية.

ابن عثيمين كذلك انكر متن الحديث فقط ، لأن فيه ما يخالف العقل - حسب رأيه هو - و لكنه اتفق مع بقية العلماء أن السند صحيح و ليس فيه علة

و لشدة التباس الأمر ، سلك البخاري مسلك الترجيح فاقتصر في صحيحه على إخراج حديث جابر في ابن صياد ، ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس في قصة تميم الداري ، لما يوجد من تناقض بين الاثنين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عن فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس، قالت:
سمعت نداء منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي: الصلاة جامعة.
فخرجت إلى المسجد فصليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكنت في صف النساء التي تلي ظهور القوم.
(أي في الصفوف الخلفية الأخيرة من المسجد)
فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، جلس على المنبر وهو يضحك.
فقال : لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ
ثم قال : أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ ؟

قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: إِنِّي وَاللهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ، كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا ، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْ المَسِيحِ الدَّجَّالِ

حَدَّثَنِي ؛ (أي تميم الداري ) أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ ، مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامَ

* (أسماء لقبائل عربية كانت نصرانية في ذاك الوقت ) .

فَلَعِبَ بِهِمِ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ أَرْفَأوا (أي: لجأوا ) إِلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ ، فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ (القوارب) ، فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ. مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ.
*(في رواية أخرى امرأة كثيرة الشعر )

فَقَالُوا: وَيْلَكِ! مَا أَنْتِ؟
فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ.
قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟
قَالَتْ: أَيُّهَا الْقَوْمُ! انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ. قَالَ: لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً. (أي أصابنا القلق و الخوف من ان تكون شيطانة )
قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا ، حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعْظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا، وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ
*(اي وجدوا في الكهف شخصاً ضخماً مقيداً بالسلاسل الحديدية )

قُلْنَا: وَيْلَكَ! مَا أَنْتَ؟
قَالَ: قَدْ قَدَرْتُمْ عَلَى خَبَرِي ، فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟
قَالُوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ ، رَكِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ ، فَصَادَفْنَا الْبَحْرَ حِينَ اغْتَلَمَ، فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا، ثُمَّ أَرْفَأْنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ ، فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا ، فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ! مَا أَنْتِ؟ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ. قُلْنَا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟ قَالَتْ: اعْمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا، وَفَزِعْنَا مِنْهَا، وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟ قَالَ: أَسْأَلُكُمْ عَنْ نَخْلِهَا، هَلْ يُثْمِرُ؟ قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ.
قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ بُحَيْرَةِ طَّبَرِيَّةِ
قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟
قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟
قَالُوا: هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ
قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ.
قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ
قَالُوا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟
قَالَ: هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ؟ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟
قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا.
قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟
قَالُوا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ.
قَالَ: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟
قُلْنَا: نَعَمْ.
قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟
فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ.
قَالَ لَهُمْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟
قُلْنَا: نَعَمْ.
قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ. وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي. إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ. وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الْأَرْضِ فَلَا أَدَعَ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا ، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدَةً – أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا - اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا، يَصُدُّنِي عَنْهَا. وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا".
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ فِي الْمِنْبَرِ: "هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ". يَعْنِي الْمَدِينَةَ: «أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟ "
فقَال النَّاس: نعم.
"فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ، وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ.
أَلَا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّأْمِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، مَا هُوَ. مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، مَا هُو
قالت: فحفظت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

/ أخرجه مسلم /
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حسناً ، بعد أن قرأتم بهدوء الحديث دعونا ننتقل إلى الجزء الثاني المتعلق بمتن الحديث
ما هي المشاكل في متن هذا الحديث العجيب الغريب ؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المشكلة الأولى :

هو التناقض الصارخ بين ما رواه تميم في حديث الجساسة من أن الدجال يعيش في جزيرة
و بين شكوك عدد كبير من الصحابة بابن صياد الذي كان يعيش معهم في المدينة

بل حتى النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أخبر بنفسه حديث تميم من على منبره ، و على الملأ ، كان أيضاً على هذا الشك بابن صياد
و توفي دون أن يعطي رأياً صريحاً و قاطعاً بحقيقة ابن صياد إن كان هو الدجال أو لا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المشكلة الثانية :

عن عمر رضي الله عنه ، قال:
صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته
*(أي في سنة 11 هجرية )*
فلما سلّم قام فقال:
" أرأيتم ليلتكم هذه ؟ فإن على رأس مائة سنة منها ، لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد "

/أخرجه البخاري و مسلم /


أي : عندما ستأتي سنة 111 هجرية سيكون جميع سكان الأرض من البشر قد ولدوا بعد سنة 11 هجرية ، و لن يبقى على الأرض أي إنسان حي مولود قبل هذا التاريخ

و بالمناسبة ، تنقل كتب التراجم أن أكبر المعمرين و آخر الذين ماتوا من جيل الصحابة هو أبو طفيل وقد توفي سنة 110 هجرية ، و هذا تصديق لحديث الرسول.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذن هناك تناقض واضح بين ما رواه تميم من أن الدجال سيبقى حياً و مقيداً بسلاسله في دير بإحدى الجزر المعزولة حتى يؤذن له بالخروج آخر الزمان
وبين الخبر القاطع الذي أخبر به الرسول صلى الله عليه و سلم في آخر حياته في هذا الحديث المعروف
فهل الرجل المقيد بالسلاسل الذي في جزيرة تميم الداري هو استثناء عن هذه القاعدة ؟


حسناً ، أنا الآن لن أجيبكم عن الرجل الذي في جزيرة تميم .

لكنني سأقول لكم ان المسيح الدجال صاحب الفتنة الكبرى هو استثناء عن هذه القاعدة ، لأنه أيضاً من المُنظرين


لذلك، يجب أن لا ننسى أننا عندما نتحدث عن الدجال ، فإننا نتحدث عن كائن استثنائي ، مبرمج ، ومعد خصيصاً كي يكون فتنة ، كي يكون امتحان ، وليس كأي امتحان .

إذا بالنسبة لجواب المشكلة الثانية : نعم الدجال هو استثناء ، سواء كان ابن صياد ، او السامري ، او رجل الدير المقيد بالسلاسل .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المشكلة الثالثة :

هل كل ما قاله تميم في حديث الجساسة كان الرسول صلى الله عليه و سلم قد حدث أصحابه عنه فعلا ؟

الجواب هو : لا


لا يوجد إلا شيء واحد فقط مشترك بين ما حدّث به رسول الله صلى الله عليه و سلم سابقا ، و بين حديث تميم

وهذا الشيء هو أن الدجال عندما سيخرج في فتنته الكبرى ( آخر الزمان ) لن يستطيع أن يدخل (كشخص) مكة و المدينة .

وهذا حق .

أمّا ماعدا ذلك فلا يوجد حديث واحد على الإطلاق في كتب السنة تحدث فيه الرسول عليه الصلاة و السلام بشيء وافق ما جاء بحديث تميم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فالرسول صلى الله عليه و سلم لم يخبر صحابته مسبقاً أن الدجال مثلاً مقيد بسلاسل في إحدى جزر البحر
و اعتقد أنه لا يستطيع أي شخص أن يخرج لنا أثراً أو حديثاً آخراً - ولو ضعيفاً - يذكر فيه النبي شيئاً مما ذكره تميم في حديثه عن الدجال ، غير ما يتعلق بمكة و المدينة
لم يسبق للنبي أيضاً أن أخبرهم عن نخل بيسان أو عين زغر ، فهي مناطق في الشام - و تحديداً فلسطين - البلد التي جاء منها تميم
ولم يخبرهم أبداً عن الجساسة تلك الدابة الناطقة غزيرة الشعر


و الرسول صلى الله عليه و سلم كان واضحاً في آخر حديثه حيث عاد و أكد من على منبره على موضع التوافق الوحيد بين ما حدثهم به هو وبين حديث تميم .

و موضع التوافق بين الاثنين هو أن الدجال لن يدخل مكة والمدينة ، و أن المدينة هي طيبة .

"هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ". يَعْنِي الْمَدِينَةَ: «أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟ "

وهذا الجزء بالتحديد هو سبب سروره بحديث تميم .
وهو يقول ذلك بصراحة في آخر حديثه :

فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ، وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فإذا كان الوضع كما ترون

فهل ما زعمه البعض من أن حديث الجسّاسة ما هو إلا من مسيحيات تميم الداري التي نقلها من المسيحية هو زعم صحيح؟
هل تم خداع الرسول عليه الصلاة و السلام من قبل الراهب المسيحي السابق تميم الداري ؟
هل دسّ تميم السم بالعسل ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

و قبل أن ينحرف فيكم سو ء الظن ، لابد أن أسرع و أقول: بكل تأكيد لا
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - معصوم عن الخطأ ، و حاشاه - صلى الله عليه و سلم - أن ينقل على الملأ غيبيات ليس متأكداً منها


كما أن تميم الداري - رضي الله عنه - شهد بفضله وصلاحه وتقواه الكثير من الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين - و كذلك من جاء بعدهم ؛ مما ينفي عنه تماماً شبهة الكذب والدس في الدين
وهو بالمناسبة أول من أدخل نظام الإضاءة في مساجد المدينة و أنارها بالقناديل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إذن تميم كان صادقاً فيما رواه ، و الرسول صلى الله عليه و سلم طبعاً كان أميناً في نقل ما سمعه من تميم و لكنه حدد بكل حكمة ، و على وجه الدقة مكان التوافق أو موضع التطابق الوحيد بين أحاديثه السابقة للصحابة عن الدجال و الحديث الذي أخبره به تميم للتو .

فَإِنَّهُ أَعْجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ، عَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ.
هذا ما أعجب الرسول من حديث تميم ، ما يتعلق بمكة والمدينة فقط .
أما غير ذلك فلا .


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المشكلة الرابعة:

رغم أن النبي قد جمع الناس في المسجد كي يخبرهم بالقصة التي رواها له تميم ،
و رغم أن المسجد كان مكتظاً بالمصلين من الرجال و النساء ،
إلا أن هذا الحديث لم يرويه إلا عدد قليل جدا من الصحابة .
ثلاثة فقط

من هم هؤلاء الثلاثة ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- جابر بن عبد الله : الذي كان حتى آخر لحظة يقسم بأن ابن صياد هو الدجال ، حتى و لو مات ، حتى ولو اسلم ، حتى ولو دخل المدينة و مع ذلك روى هذا الحديث ، و إن بتفاصيل اقل بكثير مما روته فاطمة بنت قيس.


2- أبو هريرة : المعروف بكثرة رواياته للأحاديث ، فقد كان ملازماً لرسول الله ، وروى لوحده أكثر من 5 آلاف حديث ، فكان يروي كل ما يسمعه من النبي أو عنه .


3- فاطمة بنت قيس :
هذه الصحابية ، هي صاحبة الرواية الأطول و الأغنى بالتفاصيل لحديث الجساسة
وهي أصلاً ليست من رواة الأحاديث ، فكتب الحديث لم تنقل عنها إلا حديثين اثنين فقط
و في هذا الحديث بالذات كانت في المسجد في مصلى النساء الذي يلي ظهور الرجال

أي: في الصفوف الخلفية من المسجد ، في المؤخرة و بعيدة جدا عن منبر رسول الله الذي طبعا في ذلك الوقت لا يحتوي على مكبرات للصوت ، و لن أزيد في الشرح أكثر من ذلك الآن .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قصة مثل هذه بكل ما فيها من عجائب و غرائب ؛
هل يعقل أن يغيب خبرها عن صحابة كبار ، كعمر بن الخطاب وابنه عبدا لله وابنته حفصة وأبو ذر الغفاري وأبو سعيد الخدري و غيرهم ؟!!

كيف استمر كل من سبق ذكرهم من الصحابة على قناعتهم حتى النهاية بأن ابن صياد هو الدجال رغم سماعهم لقصة تميم ؟!!

ألم يكن إخبار النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة بحديث تميم الداري من على منبره ، بعد أن جمع الناس لذلك ، كفيلٌ بأن يقضي على كل شك سابق في أن ابن صياد هو الدجال ؟!!


إذن لا بد أنهم سمعوا هذا الحديث من رسول الله ، و لكنهم فهموه بشكل مختلف عما نفهمه نحن ، بل و بشكل مختلف عما يفهمه معظم (علماء) المسلمين اليوم للأسف.

وهذا هو التفسير الوحيد لماذا لم يروي الحديث إلا عدد قليل من الصحابة - ثلاثة فقط - من بين مئات الرجال و النساء الذين كانوا في المسجد .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المشكلة الخامسة :

لماذا هذه الحيرة والتخبط في تحديد موقع جزيرة الدجال؟
هل هي في بحر الشام (البحر المتوسط)
أو بحر اليمن (البحر الأحمر) ،
هل هي في المشرق أم المغرب ؟!

ألا يفترض أن يكون تميم قد أخبر الرسول صلى الله عليه و سلم عن مكان الجزيرة التي عاد منها و موقعها الجغرافي ؟


كيف عاد تميم إلى أرض العرب من تلك الجزيرة ؟

إذا لم يكن تميم قد عرف كيف وصل إلى الجزيرة في الذهاب ، فإنه بكل تأكيد عرف طريق العودة .


وبينما كان الرسول يسرد الحديث ، كان تميم جالساً في المسجد مع الناس ، و يستمع معهم للرسول وهو يحاول أن يعرف من أي جهة جغرافية سيخرج الدجال ، وتميم من المفترض انه يعرف الجواب ، لكنه ظل صامتا .

لماذا لم يخبر الرسول و بقية المتواجدين في المسجد بموقع جزيرة الدجال في ذلك الوقت ؟


تميم بقي في المدينة أيضاً و عاش فيها بعد إسلامه لمدة طويلة

لماذا لم يسأله أحد من الصحابة وهم في أوج الفتوحات الإسلامية البرية و البحرية عن موقع جزيرة الدجال ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نـور ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما هو حل هذا اللغز ؟
للحديث بقية

تسجيل الدخول

عدد الزيارات
وصل عدد زيارات المدونة منذ إطلاقها إلى 418266 زائر.
حول المدونة
يتم نشر مقالات الدكتور نور حفاظاً عليها من الفقدان نتيجة سياسات موقع فيسبوك والتبليغات.

الموقع متواضع جداً من ناحية التصميم لكنه مصمم بهدف القراءة الهادئة وبتمعن.
يتم عرض آخر 10 مقالات حسب تاريخ نشرها تنازلياً بغض النظر عن تصنيفها وقسمها حفاظاً على إستقرار إستضافة الموقع لمحدودية الموارد المجانية.

يمكنكم الدخول إلى الأقسام لاستعراض كافة المقالات.
المقال التالي
(74) مفتاح الحل

(74) مفتاح الحل

القسم: عمر الأمة بعد النبوة في 4 مراحل 4 فتن
نشر بتاريخ: Friday - 04/Nov/2016 @ 22:04
المقال السابق
(72) ابن صياد

(72) ابن صياد

القسم: عمر الأمة بعد النبوة في 4 مراحل 4 فتن
نشر بتاريخ: Friday - 04/Nov/2016 @ 22:02